الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
142
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يفيت معنى الإنكار التعجّبي لأنّ اعتقاد المؤمنين كون أكثر المخاطبين فاسقون يجعل المخاطبين معذورين في نقمه فلا يتعجّب منه ولا ينكر عليهم نقمه ، وذلك يخالف السياق من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه فلا يلتئم مع المعطوف عليه ، فالجمع بين المتعاطفين حينئذ كالجمع بين الضبّ والنّون ، فهذا وجه بعيد . وقيل : هو معطوف على المستثنى ، أي ما تنقمون منّا إلّا إيماننا وفسق أكثركم ، أي تنقمون تخالف حالينا ، فهو نقم حسد ، ولذلك حسن موقع الإنكار التعجّبي . وهذا الوجه ذكره في « الكشاف » وقدّمه وهو يحسن لو لم تكن كلمة مِنَّا لأنّ اختلاف الحالين لا ينقم من المؤمنين ، إذ ليس من فعلهم ولكن من مصادفة الزّمان . وقيل : حذف مجرور دلّ عليه المذكور ، والتّقدير : هل تنقمون منّا إلّا الإيمان لأنّكم جائرون وأكثركم فاسقون ، وهذا تخريج على أسلوب غير معهود ، إذ لم يعرف حذف المعطوف عليه في مثل هذا . وذكر وجهان آخران غير مرضيين . والّذي يظهر لي أن يكون قوله : وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ معطوفا على أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ على ما هو المتبادر ويكون الكلام تهكّما ، أي تنقمون منّا أنّنا آمنّا كإيمانكم وصدّقنا رسلكم وكتبكم ، وذلك نقمه عجيب وأنّنا آمنّا بما أنزل إلينا وذلك لا يهمّكم . وتنقمون منّا أنّ أكثركم فاسقون ، أي ونحن صالحون ، أي هذا نقم حسد ، أي ونحن لا نملك لكم أن تكونوا صالحين . فظهرت قرينة التهكّم فصار في الاستفهام إنكار فتعجّب فتهكّم ، تولّد بعضها عن بعض وكلّها متولّدة من استعمال الاستفهام في مجازاته أو في معان كنائية ، وبهذا يكمل الوجه الّذي قدّمه صاحب « الكشاف » . ثمّ اطّرد في التهكّم بهم والعجب من أفن رأيهم مع تذكيرهم بمساويهم فقال : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ إلخ . وشرّ اسم تفضيل ، أصله أشرّ ، وهو للزيادة في الصفة ، حذفت همزته تخفيفا لكثرة الاستعمال ، والزّيادة تقتضي المشاركة في أصل الوصف فتقتضي أنّ المسلمين لهم حظّ من الشرّ ، وإنّما جرى هذا تهكّما باليهود لأنّهم قالوا للمسلمين : لا دين شرّ من دينكم ، وهو ممّا عبّر عنه بفعل تَنْقِمُونَ . وهذا من مقابلة الغلظة بالغلظة كما يقال : « قلت فأوجبت » . والإشارة في قوله مِنْ ذلِكَ إلى الإيمان في قوله : هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ إلخ باعتبار أنّه منقوم على سبيل الفرض . والتّقدير : ولمّا كان شأن المنقوم أن يكون شرّا بني عليه التهكّم في قوله : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ ، أي ممّا هو أشدّ شرّا .